تعز اليوم
نافذة على تعز

ماذا قال الشهيد “عيسى محمد سيف عن ثورة 26 سبتمبر” مقال نادر بتاريخ ١٩٧٧/٩/٢٦

الشهيد عيسى محمد سيف - تعز اليوم:

تحتفل جماهير شعبنا اليوم على امتداد وطننا الحبيب بالذكرى الخامس عشرة لثورة وسط مشاعر وطنية غلابة تتدافع بخطًى أشد ثباتاً صوب استكمال تحقيق الأهداف الوطنية والقومية والإنسانية التي نحتتها هذه الثورة من قلب معاناة شعبنا وطموحاته، لتمثل بالنسبة له الدليل النظري الذي يسترشد به في نضاله الثوري الجسور..

ولم يكن تفجير هذا الحدث الثوري الهائل في مثل هذا اليوم منذ 15 سنة خلت مجرد مصادفة غير متوقعة لشعبنا.. ولكنه كان محصلة للعديد من الأحداث والمحاولات الوطنية التي جاء هذا اليوم بمثابة التتويج النهائي لمقدماتها، وانطلق شعبنا اليمني العظيم في هذا اليوم يعلن للعالم أجمع ثورته.. ويحدد رؤيته الشاملة من خلال المبادئ والأهداف الستة الشهيرة.. وأن إرادته قد أصبحت في يده لأول مرة منذ أكثر من ألف عام.. وأن الحرية التي تنسم عبيرها في هذا اليوم بعد قرون طويلة من القهر والغزو والكهانة لن يفرط بها مهما كلفه ذلك من تضحيات.. وأن تخلصه من نظام الاستبداد الإمامي وكهانه وحجابه وحراسه قد مكنه من تحمل مسؤوليته في التعبير عن حريته التي ثار من أجل تحقيقها. وأنهى إلى الأبد النظام الاستبدادي وعفونته وشعر لأول مرة في التاريخ بأنه وحده الذي يمسك بحريته.. وأن إرادته لم تعد حبيسة في قبضة الأئمة الذين لا هم لهم غير توارثها واحداً بعد واحد!!

لكن الثورة بمبادئها وأهدافها والانفجار الجماهيري الرائع الذي احتضنها وليداً منذ يومها الأول قد مكنت شعبنا من إنهاء العزلة التي فرضت عليه، وبدأ يفتح بصره على العالم من حوله وسط ذهول مروع من ذلك البون الشاسع الذي يفصله عنه. ولم يضعف ذلك من عزمه فشحذ همته على مضاعفة الجهد من أجل مكانه اللائق وسط هذا العالم..

إلا أن طريقه لم يكن أمامه متاح للسير نحو أهدافه فبدأت التحديات تواجهه مضافاً إلى العقبات الممتدة في الطريق.. ولم يجد أمامه خيار بين محاولات إرغامه على العودة قهراً إلى قبضة الإمامة، وبين الدفاع عن نظامه الجمهوري غير قبول التحدث ومواصلة النضال..

وإذا كانت الثورة قد مثلت انتصاراً للأمة العربية في هذا الجزء من شعبنا فإن عملية التحدي لم تقتصر على جماهير شعبنا وأعدائها في الداخل.. ولكن اتساعها قد امتد على مستوى الأمة العربية كلها عبر التحدي القومي بين قوى الثورة القومية من جهة وبين قوى التخلف من جهة أخرى، بل قد اتسع مدى التحدي من خلال ثورة شعبنا وتجاوز ذلك إلى العالم بين قوى الثورة والتحرر وبين قوى الثورة المضادة على اختلاف أصنافها.. وبالرغم من كل التضحيات فلقد استطاعت الثورة أن تنتصر وتصبح حقيقة مجسدة في ضمير شعبنا وأمتنا والعالم بأسره. وتعانق البعد القومي عبر التضحيات الرائعة بأوسع معانيه لأول مرة في العصر الحديث من خلال ثورة شعبنا والمبادرة القومية التاريخية لثورة 23 يوليو وقيادتها الرائدة.. وانتصرت بذلك إرادة الأمة العربية وقوميتها المناضلة.

ولقد حققت الثورة مكاسب وتحولات هامة على مستوى الواقع الوطني وسط نضال متصل، فخلصت شعبنا من نظام الإمامة واستبدادها، فأرغمت الاستعمار البريطاني على الرحيل من الجزء الجنوبي وأنهت العزلة الخارجية التي فرضت عليه سنوات طوال، وفككت العزلة الداخلية، وخلخلت العصبية القبلية، ورفعت مستوى وعي شعبنا فحولت اهتماماته الجزئية والمتناثرة إلى ولاء لليمن كلها، وترسيخ النظام الجمهوري كمكسب أساسي لها،.. وكانت وقفة شعبنا في حصار السبعين من أعظم مواقفه التاريخية في نضاله المعاصر، حيث أثبتت لكل أعدائه في الداخل والخارج استماتته الشجاعة من أجل ثورته، واستحالة عودته إلى وضع رفضه وثار ضده، وتألفت إرادة شعبنا، وأخذت معطيات التغيير تتأصل في نفسية الإنسان وتعيد تشكيل القيم الثورية في أعماقه، وبرز من خلال هذه التحولات الإنسان اليمني الجديد الذي استهدفت الثورة إحداث التغييرات الجذرية فيه، ليكون في مقدوره بعد ذلك.. وليس قبل ذلك، إحداث التغيير الشامل في واقع المجتمع وتركيباته المختلفة ونقله حضارياً إلى واقع جديد.

والثورة بكل ما حققته، قد واجه مسارها النضالي بسبب العقبات والتحديات الداخلية والخارجية بعض العثرات والانتكاس خلال مسيرتها، وما نتج عن ذلك من مصالح شللية وولاءات مختلفة، وثراء فاحش لقلة في المجتمع لم تكتف بما حققته من مقاولات الحرب، ولكنها واصلت ثرائها الفاحش بمقاولات العمالة والتآمر على الشعب وثورته، وترتب على ذلك إحداث تفسخ في قيم المجتمع الوطنية والدينية، وتضعضعت الأوضاع في البلاد وانتشر الفساد وتجاوزت شرعيته، وعمت الفوضى، وانتشر التخريب الدموي الحاقد، وفلت زمام الأمور في البلاد.

وفقدت الدولة هيبتها وتعدد حكامها الحقيقيين بالرغم من وجود حاكم شكلي واحد، فقد المقدرة على مواصلة لعبة التوازن، وبات هو الآخر عاجزاً عن إيجاد مخرج جديد للوضع المتردي، ويسعى للبحث لنفسه عن أي مخرج!! وفقد الشعب، وسط ذلك الذي يجري، ثقته كلية في القائمين على أمره، وبدأت أنظاره تتطلع مرة أخرى إلى يوم جديد يتحقق له من خلاله انتصاراً لثورته ومسارها المعوج، ويتغير الوضع العاجز في القمة، والقمم المتعددة من حوله، بوضع جديد مقتدر تكون قمته واحدة وتلاشى من حوله بقية القمم الأخرى، فكانت حركة 13 يونيو 1974م هي ذلك اليوم الجديد الذي استعاد فيه شعبنا أمله وهو يسمع بيانها الأول، لكن قلقه ظل مستمراً، وثقته غير كاملة وهو يرى التركيبة العجيبة وقد شكلت قمة وضع جديد، وجاء يوم 27 أبريل 1975م كأروع خطوة لحركة يونيو على طريق انتصارها لثورة سبتمبر، وتلاحقت بعد ذلك الخطوات وتعددت المحاولات الشعبية، واستعادت الجماهير حيويتها، وتفاعلت مع قيادتها الجديدة، وانطلقت تبادلها الثقة وهي مطمئنة على مقدرة ونوعية الأسلوب الذي يوجه زمام أمورها، واستجابت الجماهير في مشاركتها، لكل المبادرة التي تقدم عليها القيادة الوطنية المقتدرة سواءً في التجربة التعاونية وما تحققه من إسهام فريد في مجال التنمية العامة، وتجربة التصحيح ولجانه المتعددة.. بهدف أن تصبح هذه التجربة الشعبية عند تجاوزها مرحلة التكوين تجربة ذاتية منطلقة من أعماق الجماهير الشعبية تتسع في سلطاتها إلى تجسيد مفهوم التصحيح قولاً وفعلاً بمعناه الشمولي المطلوب ووصولاً إلى تجربة اتحاد المغتربين باعتباره الرباط المادي الذي يربط أبناء شعبنا في مهاجرهم المختلفة بوطنهم الأم في الداخل، وتركت القيادة الوطنية المقتدرة المجال لكل القوى الوطنية لإحداث تفاعل ديمقراطي يقوده حواره الوطني من وسط المهام التي يعيشها ويبحث عن حل لها واقعنا المتخلف والمجزأ، ومن خلال تغليب المصلحة الوطنية العليا على كل المصالح الذاتية الضيقة، بحيث يصب الجميع ولاءهم الوطني المشترك وجهودهم المتظافرة من أجل تحقيق انتصار لانتشال هذا الواقع المؤلم، وتتأجل قضايا الخلاف أو الاختلاف حول تناقضات ثانوية نفتعل معظمها بغير عائد يستفيد منه وطننا بقدر ما يصاب منه بأضرار موجعة وقضية الوحدة الوطنية في بلادنا اليوم هي القضية الأولى التي يجب ان نشكل محور الالتقاء الثنائي بين القوى الوطنية كلها، وأن دورها الوطني لا بد أن يكون موحداً وفعالاً كمقدمة ضرورية نحو الضغط على النظامين القائمين لتحقيق هذه الوحدة وبنفس الأسلوب الديمقراطي الحريص على وطننا ووحدته الملحة.. وبعد ذلك – وليس قبل ذلك – تأتي مواجهة التخلف الحضاري العام في بلادنا الواحدة ونظامها الوطني الواحد، بعد أن نكون قد حققنا دولة الوحدة الوطنية، وجمعنا من خلالها إمكانات شعبنا المتواضعة، والعمل على استثمارها بكفاءة عالية تحقيقاً للعدل الاجتماعي الذي يتلاءم مع ظروف شعبنا وقيمه الثورية وقناعاته العامة.

 

في الذكرى الخامسة عشرة لثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م نشرت صحيفة ١٣ يونيو في عددها رقم ٤١ الصادر بتاريخ ١٩٧٧/٩/٢٦ م مقالاً لعيسى محمد سيف الأمين العام للتنظيم الناصري في اليمن آنذاك وقائد حركة ١٥ أكتوبر الناصرية في العام ١٩٧٨م

“نشرت الصحيفة المقال باسم مستعار هو أحمد محمد عبده”

أعاد نجل الشهيد عسيى محمد سيف نشر المقال في حسابه على فيسسبوك بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين لقيام الجمهورية اليمنية.

قد يعجبك ايضا